ابو المظفر الاسفرايني
14
التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين
بقوله : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ « 1 » حتى قال أهل المعارف في تحقيق صفة الصمد أنه يتضمن إثبات كل صفة لا يتم الخلق إلا بها . ونفى كل صفة لا يجوز وصفه بها . لأن الصمد في اللغة هو السيد الّذي يرجع إليه في الحوائج ، وهذا يوجب له إثبات صفات الكمال التي يتم بها اتساق الأفعال وقد جاء إيضاح اللغة في تفسيره أن الصمد هو الّذي لا جوف له ، وهذا يتضمن نفى النهاية ، ونفى الحد والجهة ، ونفى كونه جسما أو جوهرا لأن من اتصف بشيء من ( تلك ) الأوصاف لم يستحل اتصافه بالتركيب ووجود الجوف له ، وتقرر بهذه الجملة وجوب المعرفة بالنفي والإثبات والتمييز بين الحق والباطل ومن لم يتحقق له ( معرفة نفى ) صفة الباطل لم يتحقق له ( معرفة إثبات ) صفة المعرفة بالحق . وقد كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسألونه عن الحق لصحة الاعتقاد والمعرفة ، وعن الباطل والشر للتمكن من المجانبة حتى قال حذيفة بن اليمان : كان الناس يسألون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر . وإنما كان يفعله لتصح له مجانبته لأن من لم يعرف الشر يوشك أن يقع فيه كما قال الشاعر : عرفت الشر لا للشّر لكن لتوقيه * ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه وقد أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه سيظهر في زمن الإسلام من الفرق المختلفة ما ظهر في الأديان قبله فقال : « افترقت اليهود احدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة » . فقيل يا رسول اللّه من الناجية ؟ فقال « ما أنا عليه وأصحابي » « 2 » وفي خبر آخر أنه قال الجماعة . وروى عبد اللّه بن عمر بن الخطاب أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال في تفسير قوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ « 3 » إن الذين ابيضت وجوههم هم الجماعة ، والذين اسودت وجوههم أهل الأهواء فبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن هذه الأمة يلتبس بها وينسب إلى جملتها كثير من أهل الأهواء يفارقونهم في حقيقة الإيمان ، وإن كانوا
--> ( 1 ) سورة الإخلاص . ( 2 ) أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم وغيرهم . ( 3 ) سورة آل عمران 106 .